النص الأول : في الفخر لعنترة بن شداد
الشاعر :عنترة بن شداد شاعر جاهلي وفارس شجاع ، من قبيلة عبس ، كانت أمه جارية حبشية تسمى " زبيبة" ، نقلت إليه لونها وعبوديتها وكان العرب لا يلحقون بنسبهم أولاد الإماء ، إلا إذا ظهر لهم فضل يؤثر . وكان عنترة فارسا شجاعا ، واستطاع انتزاع نسبه من أبيه والقبيلة كلها، وقد أحب ابنة عمه " عبلة"، وكتب فيها شعرا كثيرا وتوفى615م
النص: ترك عنترة ديار قومه غاضباً ؛ لرفض قبيلته منحه حريته ، و بعد أن فشل في إقناع الأهل بأنّ السواد لا صلة له بالشخصية إذا عَظُمَتْ، وبالنفسْ إذا كرمت، وبالعزيمة إذا كبرت ؛ نزل عند بني عامر ، فاستغلت قبيلة " هوازن " الفرصة وهاجمت ديار " عبس " قبيلة عنترة ، و كادت " عبس " أن تنهزم لولا أنهم استنجدوا بفارسهم " عنترة " الذي لبى النداء مهرولاً ؛ ليدافع عن حرمات قبيلته ، وعبر عن هذه التجربة بتلك الكلمات :
1- سكت فغــر أعدائي السكوت *** وظنونى لأهلي قد نسيت
المفردات : سكت : صمت . غر : خدع وأطمع ، وضلل . ظنوني : حسبوني .
المعنى : لقد خرجت غاضبا من قومي، فانتهز الأعداء هذه الفرصة ، وأعلنوا الحرب على قومي متوهمين عدم عودتي للقبيلة أبدا. وظنوا أني قد نسيت أهلي ، وأني لن أعود للدفاع عنهم .
التحليل : سكت: تدل على التسامح والصبر وهى أجمل من " خاصمت أو قاطعت". وفيها إيجاز بالحذف حيث لم يبين ما سكت عنه .
فغـر: الفاء تفيد السرعة. وغر : توحي بسذاجة الأعداء وعدم فهمهم لعنترة .
أعدائي: جمع يوحي بكثرة الحاقدين ، ولبيان أن عدوا واحدا لا يجرؤ على مهاجمة قومه فهي توحي بقوة قومه ، وإضافة ياء المتكلم إلى ( أعداء ) دليل على أنه هو المقصود بالعداوة .
وفيها أسلوب قصر وسيلته تقديم المفعول به ( أعدائي ) غرضه التخصيص .
ظنوني: تفيد خطا التفكيروغباء الأعداء .
لأهلي : إضافة ياء المتكلم لها لبيان فخره بالانتماء إليهم وهي أفضل من لقومي أو لقبيلتي ؛ لأنها تفيد قوة الانتماء. وفيها أسلوب قصر وسيلته تقديم شبه الجملة غرضه التخصيص .
قد نسيت: عبارة مؤكدة بـ قد تدل على الإهمال الشديد لأهله في نظر العدو .
من الصور الجمالية : فغـر أعدائي السكوت : كناية عن صفة وهى الغفلة وسر جمالها الآتيان بالمعني مصحوبا بالدليل عليه في إيجاز وتجسيم.
من المحسنات البديعية : يوجد تصريع" السكوت * نسيت، والتصريع هو تشابه نهاية الشطر الأول مع نهاية الشطر الثاني في البيت الأول . وسر جماله يعطى نغمة موسيقية تطرب لها الأذن .
أسلوب البيت خبري غرضه السخرية من الأعداء .
2- وكيف أنام عن سادات قــــوم ؟ ***إنا في فضل نعمتهم ربيت
المفردات : أنام : أغفل ولا أهتم والمراد أنسى وأهجر . سادات: أشراف وعظماء ، ومفردها سيد وعكسها عبيد . فضل : خير وزيادة وجمعها فضول . ربيت بضم الراء : نشأت وتربيت . وقد تقرأ ربيت بفتح الراء أي زدت وكبرت .
المعنى : : إنني لا يمكن أن انسي قومي الذين تربيت فيهم وتمتعت بخيراتهم .
التحليل: أنام : توحي بالغفلة لو فعل ذلك .
سادات: جمع للكثرة. سادات قوم: نكرتان للتعظيم.
أنا في فضل نعمتهم ربيت: أسلوب قصر وسيلته تقديم شبه الجملة غرضه التخصيص .
أنا : توحي باعتراف الشاعر بجميل قومه عليه .
فضل : توحي بخير قومه الفياض عليه وبكثرة النعم التي تربى فيها عنترة .
ربيت : فعل مبني للمجهول لتعميم الفاعل المحذوف .
من الصور الخيالية : أنام: كناية عن التخاذل والكسل وسر جمالها الآتيان بالمعني مصحوبا بالدليل عليه في إيجاز وتجسيم
الشطر الأول أسلوبه إنشائي نوعه استفهام غرضه النفي والتعجب والاستنكار. والشطر الثاني أسلوبه خبري غرضه الاعتراف بفضل القبيلة عليه .
3- وإن دارت بهم خيل الأعادي *** ونادوني أجبت متى دعيت
المفردات : دارت : أحاطت وحاصرتهم . الأعادي: الأعداء ومفردها : عدو . نادوني : استنجدوا بي. أجبت : لبيت النداء ومضادها : تجاهلت
المعنى : إنني إن رأيتهم في مكروه ، وقد هاجمتهم خيول الأعداء ونادوني – رغم سكوتي عنهم - ألبى نداءهم فورا.
التحليل: وإن: شرطية تفيد الشك في قدرة الأعداء على مهاجمتهم وهي أفضل من إذا .
دارت : فعل يدل على الحركة الخيل وكأننا نراها تدور هنا وهناك تتربص بالقوم.
الأعادي: تدل على تجمع الأعداء على قوم عنتر . وتوحي بأن عدوا واحدا لا يجرؤ على مهاجمة قومه .
في الشطرالأول أسلوب قصر وسيلته تقديم شبه الجملة غرضه التخصيص .
من الصور الخيالية : الشطر الأول : كناية عن هجوم الأعداء على قومه وتمكنهم منهم .
ونادوني أجبت متى دعيت: كناية عن سرعة الاستجابة سر جمال الكناية الآتيان بالمعني مصحوبا بالدليل عليه في إيجاز وتجسيم.
من المحسنات البديعية : الطباق بين : نادوني – أجبت ، وسر جماله إظهار المعنى بالضد فالضد يظهر الحسن .
البيت أسلوبه خبري غرضه إظهار مكانة قومه عند الشاعر .
تعليق : اعترض بعض النقاد على الشاعر قوله ( نادوني ) حيث إنه لا ينهض للدفاع عن قومه إلا إذا دعوه وينتظر استغاثتهم ، وكان الأولى أن يسارع لنجدتهم .
ولكن يمكن أن يبرر موقفه بأنه أراد أن يُشعر قومه بمدى حاجتهم الشديدة إليه .
3- بسيف حــــده يزجى المنـــايا ***ورمح صدره الحتف المميت
المفردات : يزجى : يسوق . المنايا : الموت ومفردها منية. رمح : جمعها رماح وأرماح . صدره : نصله وسنانه ومقابلها : عجزه . الحتف : الهلال والموت وجمعها : الحتوف ومقابلها : الحياة والنجاة . المميت : القاتل ومقابلها : المحيى .
المعنى : أسرع لإنقاذهم بكامل سلاحي فسيفي قاطع يسوق الموت للأعداء ، ورمحي فيه الهلاك المميت لهم كذلك.
التحليل: بسيف: نكرة للتعظيم . وكذلك رمح . وجمع بينهما للدلالة على أنه براعته في فنون القتال حيث يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة المستخدمة في عصره. وقدم السيف على الرمح لأن من يجيد السيف أشجع ممن يجيد الرمح .
يزجي : فعل مضارع لاستحضار الصورة . المنايا: جمع للدلالة على كثرة الموت.
الحتف : توحي بالهلاك . ووصفه بالمميت ليؤكد فتكه بالعدو .
من الصور الخيالية : حـده يزجى المنايا: استعارتان مكنيتان الأولى : شبه السيف بسائق يسوق قطيع من الغنم ، والثانية شبه المنايا بقطيع يساق ، وحذف المشبه به في الصورتين وأتى بصفه من صفاته . و سر جمالها التشخيص في الأولى والتجسيم في الثانية .
ورمح صدره الحتف المميت : تشبيه بليغ حيث شبه صدر الرمح بالهلاك وتوحي قوة الرمح وبشدة الضربة.
البيت الرابع استكمال وامتداد للبيت الثالث.فلازال الأسلوب خبريا .
4- خلقت مــــــن الحديد أشد قلبـــا ***وقد بلى الحديد وما بليـــــت
المفردات : الحديد : جمعها حدائد . أشد : أقوى وأصلب ، ومقابلها : أضعف وأرق . بلى: فني وتآكل وتفتت ومقابلها : بقى وخلد .
المعنى : إن قلبي خلق من الحديد ، لا بل أصلب من الحديد والدليل على ذلك أن الحديد يفنى لكن قلبي يحتفظ بقوته وشجاعته.
التحليل: خلقت: فعل مبنى للمجهول لتعظيم بالفاعل وهو الله تعالى
.قلبا: نكرة للتعظيم. كرر الشاعر كلمةالحديد للدلالة على معنى الشدةوالفروسية.
قد بلي : قد تفيد التوكيد . وكرر كلمة الحديد ليؤكد تفوقه عليه .
من الصور الخيالية : التشبيه في الشطر الأول حيث شبه قوة قلبه بالحديد في صلابته وشدته وسر جماله توضيح الفكرة .
من المحسنات البديعية : طباق السلب بين : بلى - وما بليـت: تضاد بالسلب يقوى المعنى ويوضحه .
البيت أسلوبه خبري غرضه الفخر
تعليق: أشد قلبا أفضل من أشد ساعدا لأنها تدل على الجرأة الشديدة والبسالة فالقلب موطن الجرأة ، بينما أشد ساعدا تدل على القوة الجسدية التي هي ليست مقياساً للشجاعة . فالبيت يبين أن القوة المعنوية اقوي من القوة المادية، فالأجساد قد تضعف وتبلى، ولكن الروح الشجاعة لا تفنى ولا تتآكل.
5- وفى الحرب العوان ولدت طفلا *** ومن لبن المعامع قــد سقيت
المفردات : العوان التي قوتل فيها مرة بعد مرة وجمعها : عون . المعامع : المعارك ومفردها : معمعة .
المعنى : لقد شببت وترعرعت في ميادين القتال وتعودت على أهوالها فاكتسبت خبرات الحرب لأنني دخلتها وأنا طفل صغير، وشربت من لبنها .
التحليل: وفى الحرب العوان ولدت طفلا: تعبير يدلعلى خبرة عنترة الحربية،
وفي الحرب : أسلوب قصر وسيلته تقديم شبه الجملة على الفعلولدت"غرضه التخصيص . ووصف الحرب بالعوان ليوحي بشدتها وصعوبتها
من الصور الخيالية : الشطر الأول كناية عن الخبرة بالمعارك والتعود على الأهوال . ومن لبن المعامع قــد سقيت: استعارة مكنية شبه المعارك بأم ترضع ؛ وحذف المشبه به ، وأتى بصفه من صفاته وهى" سقيت" وسر جمالها التشخيص . وبنى الفعل سقيت للمجهول لتعميم الفاعل المحذوف ، فيوحي بكثرة من علمه فنون القتال من قومه ومن المعارك التي خاضها .
والشطر الثاني أيضا : كناية عن الشجاعة والفروسية .
أسلوب البيت خبري غرضه الفخر بشجاعته وفروسيته .
6- ولى بيت عـلا فلك الثريا *** تخر لعظم هيبته البيــوت
المفردات : بيت : المقصود مجد ومكانة . علا: ارتفع . فلك : مدار للنجوم وجمعها أفلاك . الثريا : مجموعة نجوم على شكل ثور وجمعها ثريات . تخر : تسقط وتهوى . عظم : شدة وكبر . هيبته : عظمته ومهابته وجلاله.ومقابلها : حقارته .
المعنى : وأنا من بيت عظيم ، فقد ارتفع مجدي وعزي فوق النجوم مما جعل باقي البيوت تخضع لي و تخر ساجدة أمام مجدي ومكانتي .
التحليل: ولى بيت: فيها أسلوب قصر وسيلته تقديم شبه الجملة غرضه التخصيص .
بيت: نكرةللتعظيم . علا : فعل ماضي للثبات والاستقرار .
تخر : فعل مضارع للتجدد والاستمرار واستحضار الصورة .
تخر لعظمهيبته البيـوت: فيها أسلوب قصر وسيلته تقديم شبه الجملة غرضه التخصيص . هيبته: تدل علىالشرف والمكانة . البيوت: جمع لبيان أن جميع البيوت تخضع لبيت عنترة
من الصور الخيالية : الشطر الأول : كناية عنالشرف والرفعة
الشطر الثاني : كناية عن مكانته بين القبائل .وسر جمال الكناية هو الآتيان بالمعنى مصحوبا بالدليل عليه في إيجاز وتجسيم .
أسلوب البيت خبري غرضه الفخر بشرفه ومكانته .
التعليق على النص
غرض النص: الفخر والحماسة ، وهو من أوسع الأغراض الشعرية في العصر الجاهلي، حتى سماه المؤرخون " العصر الذهبي للحماسة" ، وقد امتزجت الحماسة بالفخر امتزاجا شديدان حتى نكاد لا نجدقصيدة في الحماسة تخلو من الفخر .
الأسلوب : اعتمد الشاعر على الأسلوب الخبري ما عدا أسلوباً إنشائياً واحداً : وكيف أنام عن ..؟ . وذلك لتقرير وفاء الشاعر لأهله ، ولإظهار فخره الشديد بشجاعته وصلابته .
ملامح البيئة في العصر الجاهلي
1 - الصراعات الدائمة المتتابعة و الحروب الطاحنة بين القبائل .
2 – شدة الوفاء والانتماء إلى القبيلة .
3 – الاهتمام بذكر وسائل القتال من سيف ، ورمح ، وخيل .
4 – التفاخر والتباهي بالشجاعة والإقدام , والشهامة , والنَجْدة , وعفَّة النفس .
5- معرفة العرب لبعض الكواكب والنجوم .
وفي النص مبادئ وطنية : حب الوطن و التضحية من أجله - الدفاع عنه - العمل على حمايته من الأعداء .
ملامح شخصية الشاعر: 1- شديد الاعتزاز بنفسه ، رافض لحياة العبودية .
2- شديد الوفاء و الإخلاص لقومه رغم تعنتهم معه .
3- فارس نبيل يتصف بالشجاعة والإقدام , والشهامة , والنَجْدة , و عفَّة النفس .
الخصائص الفنية لأسلوب الشاعر :
1 – ألفاظه سهلة ومنتقاة بعناية ؛ لتعبر عن حالة الفخر .
2 – عباراته محكمة النسج قوية فيها جزالة وفخامة .
3 – معانيه وأفكاره واضحة سهلة وبها بعض المبالغة المقبولة المناسبة لحالة الفخر .
4 – صوره واضحة مأخوذة من البيئة البدوية ، و قد تنوعت بين التشبيه والاستعارة والكناية ؛ لتوضيح معانيه .
5 – موسيقى الشعر عنده : تظهر في الوزن الواحد و القافية الواحدة ، وهناك موسيقى نابعة من حسن اختيار اللفظ واستخدام بعض المحسنات البديعية .
تدريبات
1 - سكت فغر أعدائي السـكوت *** وظنوني لأهلي قد نسـيتُ
2 - وكيف أنام عن سـادات قوم *** أنا في فضـل نعمتهم ربيتُ
3 - وإن دارت بهم خيل الأعادي *** ونادونـي أجبت متى دعيتُ
4 - بسـيف حده يزجـي المنايا *** ورمح صدره الحتف المميتُ
أ- اذكر مقابل" سادات" ،ومرادف" أنام" ،وجمع" خيل" ومفرد" المنايا"
ب- عين من الأبيات أسلوبا إنشائيا واذكر غرضه البلاغي.
ج- بم يوحى التعبير بقوله" دارت- متى دعيت"؟
د- ما الغرض الشعري الذي تمثله هذه الأبيات؟
***
5- خلقت من الحديد أشد قلبـــا *** وقد بلى الحديد وما بليـــت
6- وفى الحرب العوان ولدت طفلا *** ومن لبن المعامع قــد سقيت
7- ولى بيت عـــلا فلك الثريا *** تخر لعظم هيبته البيـــوت
أ- هات مرادف" بلي" ، وجمع " العوان" ، ومضاد " عظم"
ب- بم وصف عنترة سيفه ورمحه؟ولماذا قارن بين الحديد وبين قلبه؟
ج- ما نوع الأسلوب في الأبيات ؟ ولماذا آثره الشاعر ؟
د – استخرج من الأبيات صورة خيالية ومحسنا بديعيا وبين سر جمال كل منهما .